أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

47

نثر الدر في المحاضرات

ومن ألقى منكم الرعية وقد أضيع أول أمرها فألفاها في اختلاف من الدين ، واختلاف من المراتب وضياع من العامة ، وكانت به على المكاثرة قوة فليكاثر بقوته ضعفهم ، وليبادر بالأخذ بأكظامهم قبل أن يبادروا بالأخذ بكظمه ، ولا يقولنّ أخاف العسف ، فإنما يخاف العسف من يخاف جريرة العسف على نفسه ، وأما إذا كان العسف لبعض الرعيّة صلاحا لبقيّتها ، وراحة له ولمن بقي معه من الرعية من النّغل والدغل والفساد فلا يكونن إلى شيء بأسرع منه إلى ذلك ، فإنه ليس نفسه يعسف ، ولا أهل موافقته يعسف ولكنّما يعسف عدوّه . ومن ألفي منكم الرعية في حال فسادها ، ولم ير بنفسه عليها قوّة في صلاحها ، فلا يكوننّ لقميص قمل بأسرع خلعا منه لما لبس من ذلك الملك ، وليأته البوار ، إذا أتاه ، وهو غير مذكور بشؤم ولا منوّه به في دناءة . ولا مهتوك به ستر ما في يديه . واعلموا أن فيكم من يستريح إلى اللهو والدّعة ثم يديم من ذلك ما يورّثه خلقا وعادة فيكون ذلك لقاح جدّ لا لهو فيه ، وتعب لا خفض معه ، مع الهجنة في الرأي ، والفضيحة في الذكر . وقد قال الأولون منا : « لهو رعيّة الصدق بتقريظ الملوك ولهو ملوك الصّدق بالتودّد إلى الرعية » . واعلموا أنه من شاء منكم ألّا يسير بسيرة إلّا قرّظت عليه فعل ، ومن شاء منكم بعث العيون على نفسه فأزكاها فلم يكن الناس بعيب نفوسهم بأعلم منهم بعيبه فعل . ثم إنه ليس منكم ملك إلّا كثير الذكر لمن يلي الأمر بعده . ومن فساد الرعية نشر أمور ولاة العهود ، فإن في ذلك من الفساد أن أوّله دخول عداوة ممضّة بين الملك ووليّ عهده ، وليس يتعادى متعاديان بأشدّ من أن يسعى كلّ واحد منهما في قطع سؤل صاحبه ، وهكذا الملك ووليّ عهده ، لا يسرّ الأرفع أن يعطي الأوضع سؤله في فنائه ، ولا يسر هذا الأوضع أن يعطي الآخر سؤله في البقاء ، ومتى كان فرح أحدهما في الراحة من صاحبه تدخل في كل واحد وحشة من صاحبه في طعامه وشرابه ، ومتى تباينا بالتّهمة يتّخذ كل